عبد الملك الجويني
326
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو قال لها : إذا مضى حِقَبٌ أو دهرٌ ، فأنت طالق ، قال الأصحاب : هذا كما لو قال : إذا مضى زمان أو حين ، وهذا مشكل جداً ؛ فإن اسم الدهر والحقب لا يقع على الزمان اللطيف ، وإيقاع الطلاق بعيد مع حسن قول القائل هذا الذي مضى ليس بدهرٍ ، وقيل : سُئل أبو حنيفة ( 1 ) عن تعليق الطلاق بالدهر ، فقال : لا أدري ، وروجع مراراً فأصرّ عليه . والذي أراه فيه أن العَصر عبارة عن زمانٍ يحوي أمماً ، فإذا انقرضوا ، فقد انقرض العصر ، أو من قول الناس : انقرض عصر الصحابة . ومن كلام الأصوليين هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض العصر ؟ هذا بيّن في معنى العصر ، والحكم بوقوع الطلاق دون ذلك ، أو في الزمن القريب بعيد عندي ، وأما الدّهر ، فإطلاقه على الزمان القريب بعيدٌ ، [ بعد ] ( 2 ) ما تمهّد من وجوب إمالة الفتوى إلى نفي الطلاق . وهذه الألفاظ تُصوّر مطلقةً ، وفيها يقع الكلام ، وبحقٍّ توقّف أبو حنيفة في هذه المسألة ، وفي القرآن ما يدل على أن الحين من الدّهر ، قال الله تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ } [ الإنسان : 1 ] وسُمي القائلون بقدم العالم دهريةً ، وقد يطلق الدهر ، ولا يراد به الزمان ، وهو معنى تسمية الملحدة دَهْرية ، فإنهم يضيفون مجاري الأحكام إلى الدّهر ، وإلى هذا أشار الرسول عليه السلام ، وقال : " لا تسبوا الدهر ؛ فإن الله هو الدهر " ( 3 ) وليس ينقدح لي في الدهر معنى إذا كان مطلقاً ، وقرن بالمضي إلا الحمل على العصر ، فإنه يقال مضى عصر الأكاسرة ، وانقضى دهرهم ، ولست واثقاً بهذا أيضاً ، والذي حكيته عن الأصحاب تنزيل الدهر والعصر منزلة الحين والزمان . فرع : 9321 - قال صاحب التقريب : إذا قال : أنت طالق اليوم إذا جاء الغد ، فلا يقع أصلاً ، فإنه علق وقوع الطلاق في اليوم على مجيء الغد ، فلا يقع الطلاق قبل
--> ( 1 ) لم نصل إلى هذا النقل عن أبي حنيفة في كتب الأحناف التي رجعنا إليها ، أما المسألة فانظر المبسوط 6 / 105 ، 114 ، وفتح القدير ، والكفاية : 3 / 371 . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) حديث : " لا تسبوا الدهر . . . " أخرجه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها ، باب كراهية تسمية العنب كرماً ، ح 2247 . =